عمر فروخ

449

تاريخ الأدب العربي

إليه الشمس حتّى تكلّ أفلاكها وتضجّ أملاكها « 1 » . . . قال : كيف معرفتك بدهرك ومن تركته وراء ظهرك ؟ قلت له : أمّا البلاد فقد قلّبت جنوبها وكشّفت عيوبها « 2 » . وأمّا الملوك فقد لقيت كبارها وحفظت أخبارها . فأيّ الدّول تجهل وعن أيّها تسأل ؟ . . . قال : فما تقول في عبد المؤمن وأولاده وسيرته في بلاده « 3 » ؟ فقلت : مؤيّد من السماء خوّاض للدماء مسلّط من فوق الماء « 4 » . حكّم سيفه في القمم وأعمله في رقاب الأمم « 5 » ، حتّى خضعت له التيجان ودانت له الإنس والجانّ . فأغمد الحلم شفاره وقلّم العلم أظفاره « 6 » ، فلان مسّه وهدأ حسّه « 7 » . ولو أنّ للعلم لسانا وللورقة إنسانا لتألّمت وتظلّمت « 8 » ولأنشدتك في الملا قول الشيخ أبي العلا « 9 » :

--> ( 1 ) تكلّ : تتعب . أفلاك جمع فلك ( المدار الذي يسير فيه الكوكب ) . والكلمة هنا مستعملة في غير محلّها . ضجّ : صاح صياحا يدلّ على مشقّة أو فزع الخ . أملاك جمع ملك ( بفتح الميم : واحد الملائكة ) . - كان الاعتقاد الوثني اليوناني أن الشمس تسير في مركبة يسوقها ويدفعها أشخاص سماوية . ( 2 ) الجنوب جمع جنب : طرف ، جانب قلّبت جنوبها الخ : أكثرت من زيارة مناطقها وعرفت كثيرا من أحوالها . ( 3 ) عبد المؤمن بن عليّ ، أمير المسلمين ، وأوّل سلاطين دولة الموحّدين ( 524 - 558 ه ) ، كان له ستّة عشر ولدا من الذكور ، منهم أبو يعقوب يوسف ، خلفه في الملك ( 558 - 580 ه ) - ولم يدرك الوهراني أحدا من سلاطين الموحّدين بعده . ثمّ كان من أبناء عبد المؤمن نفر تولّوا ( بفتح اللام ) عددا من المدن في المغرب وفي الأندلس ويظهر أن الوهراني لم يكن ميّالا إلى دولة الموحّدين لأنّه لم ينل حظوة عند أهلها . ( 4 ) خواض للدماء : كثير المعارك أو كثير القتل للناس . مسلّط من فوق الماء ( ؟ ) السماء ( سلطة اللّه على الناس . ( 5 ) حكّم سيفه في القمم ( قتل كثيرا من رؤساء الناس ) وأعمله في رقاب الأمم ( ظلم الناس والشعوب وأبادهم ) . ( 6 ) الحلم ( بكسر الحاء ) : العقل ، سعة الصدر ، ضبط النفس . الشفار جمع شفرة ( بفتح فسكون ) : حديدة عريضة مسنونة ( سيف ) . قلّم أظفاره : جعله عاجزا عن الظلم أو القتل أو الاعتداء . ( 7 ) لان مسّه : أصبح ظاهره بريئا لا يدلّ على خطر أو ضرر . راجع قول عنترة : إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها * عند التقلّب في أنيابها العطب . هدأ ( قلّ ، بطل ) حسّه ( بكسر الحاء ) : الشعور ، ولا معنى لها هنا . وحسّه ( بفتح الحاء ) القتل . ( 8 ) . . . لسانا ( يتكلم ) . . . إنسانا ( بؤبؤا للعين ) يرى . ( 9 ) الملا - الملأ : أشراف القوم وجمهرتهم . أبو العلاء المعرّي الشاعر الحكيم والناثر النقّادة ( ت 449 ه ) .